خاتم النبيّينالمحطّة الخامسة
00:00 / 34:27

خاتم النبيّين

الآية الأربعون من سورة الأحزاب في القرآن الكريم، والتي تعالج مسألة تبنّي رسول الإسلام لأحد الشباب من بين المؤمنين الأوائل، وهو زيد بن حارثة، ستصبح فيما بعد من أشهر آيات القرآن وأكثرها تأثيرًا في مجرى الأحداث ومدعاة للتأويل والشرح والاستنتاج. فالآية نفسها تمثّل اليوم الدليل القرآني الصريح على انتهاء الرسالات الإلهيّة: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما"، وفي قراءة أخرى: "...وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" بفتح التاء وليس بكسرها.

عجباً! هي آية لا غير وبقراءتين مختلفتين، وتعالج موضوعًا لا صلة له بانقطاع الوحي، وليس فيها أيّ إشارة صريحة بانتهاء الرسالات السماويّة. فكيف ترسّخت كلّ هذه القناعات؟ ومن أين لنا هذا اليقين؟

إنّ سبب نزول هذه الآية معروف لدى المفسّرين، فهي تحدّد مرتبة الرَّسول وعلاقته بأتباعه، وتنفي عنه الأبوّة. فإذا تجاوزنا مسألة سببيّة النزول وسياق الآية وغياب آيات أخرى تتحدّث عن انقطاع الوحي وختم الرسالات الإلهيّة، رغم ما يكتنفه الموضوع من أهميّة لدى الخلق كافّة، يحتاج ربّما إلى سورة بكاملها وليس مجرّد آية، وأخذنا بالقول بأنّ "الخاتم" سواء بفتح التاء أو كسرها يُفيد الخَتْمَ والانتهاء، سيبقى لنا سؤالٌ جدليٌّ بامتياز وهو معنى كلمة "نبي" في الأصل وكيف فهمنا ضمنيًّا أنّ خاتم النبيّين تعني انتهاء الرسالات الإلهيّة بكلّ بساطة؟

لقد شعر المفسّرون من قبل أنّ ذكر "خاتم النبيّين" في هذا السياق لا يكفي في حدّ ذاته لاستنباط حكم عام يقضي بتوقّف الهداية الإلهيّة وانقطاع الرُّسُل، فاستندوا إلى حُجّـتين جديدتين أولاهما: أنّ الإسلام هو الدِّين الوحيد المقبول عند الله، وثانيتهما: أن الرُّسُل هُم أيضًا أنبياء، فإذا فسّرنا "خاتم النبيّين" على أنّه آخرهم فذلك يعني بالضرورة أنّه آخر المرسلين.

وسنترك مسألة أن الإسلام هو الدِّين الوحيد المقبول عند الله ولن يُقبل من الناس غيره لنناقشه في الأخير، ونبدأ من هذا المُعطى الشائع بين الناس والذي يُفيد بأنّ كلّ رسول نبيّ فإذا انتهى زمن الأنبياء انتهى معهم الرُّسُل. فما هو الفرق في الحقيقة بين النبيّ والرسول؟ وما الذي تعنيه بالضبط كلمة "نبي" عند العرب؟

وقبل البحث في اشتقاق كلمة "نبي" ومدلولها اللغوي، كان لا بُدَّ من التساؤل أيضًا هل هي من الكلمات التي تداولها العرب قبل الإسلام؟ وهل هي كلمة عربيّة الأصل أم أنّها مشتقّة من لغة وثقافة أخرى؟ أو ربّما هي كلمة مشتركة بين حضارات مختلفة تعايشت فوق أرض واحدة وتقاسمت نفس المعتقدات مثلما تقاسمت نفس الجغرافيا، وبالتالي فهي تحمل نفس الدلالة وإن اختلفت اللغة؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، وغيرها كثير، لا مناصّ من الغوص في غيابات التاريخ المنسيّ لحقبة تجاهلها المؤرّخون العرب عن قصد أو عن غير قصد، فقط لأنّهم اعتقدوا بأنّها ليست ذات قيمة في تاريخهم، ولذلك سمّوها بالجاهليّة.

ومن الصعب جدًّا إيجاد مرجعيّة علميّة توثّق لهذه الحقبة من تاريخ العرب، أي ما قبل الإسلام، وخصوصًا تلك التي تسبق ظهوره مباشرة والتي تحدّد المعتقدات والمفاهيم الدينيّة التي سادت بين العرب "الجاهليّين". فأغلب المراجع التاريخيّة كُتبت بعد الإسلام من طرف المسلمين متأثّرة بما تحمله النفوس من ضغينة وتحقير لهذه الفترة، ولعلّ في وصفها بِـ "الجاهليّة" خير دليل على ذلك. وأكثر ما ذكروه، على أنّه تاريخ هذه الحقبة، هو أساطير وقَصَصٌ شعبيّة وأخبارٌ أُخِذت عن أهل الكتاب ولا سيّما اليهود. وقد تداول غالبيّة المدوّنين هذه الأخبار على أنّها تاريخ الجاهليّة حتّى القرن التاسع عشر. فلمّا انتهت إلى المستشرقين، شكّوا في أكثرها، فتناولوها بالنقد، استنادًا إلى طرق البحث الحديثة التي دخلت العلوم النظريّة، وتفتّحت بذلك آفاق واسعة في عالم التاريخ الجاهلي لم تكن معروفة، ووضعوا الأسس التي ستمكّن عشّاق التاريخ من البحث في تاريخ جزيرة العرب. وكان أهمّ عمل قام به المستشرقون هو البحث عن الكتابات العربيّة التي دوّنها العرب قبل الإسلام، وتعليم الناس قراءتها بعد أن جهلوها مدّة تنوف على ألف عام.

من هذه الزاوية يشكّل مؤلّف "المُفصَّل في تاريخ العَرب قبل الإسلام"، للدكتور جواد علي، أحد البحوث العلميّة الثمينة لكونه لم يطمئن إلى هذا المروي في الكتب العربيّة عن التاريخ الجاهلي ولم يكتفِ به، بل رجع إلى مصادر وموارد ساعدته في تدوين هذا الذي نعرفه عن تاريخ الجاهليّة. وقد تجمّعت مادّته في النقوش والكتابات القديمة، وفي التوراة والتلمود والكتب العبرانيّة الأخرى، بالإضافة إلى الكتب اليونانيّة واللاتينيّة والسريانيّة ونحوها، وأخيرًا على المصادر العربيّة الإسلاميّة [1]. ورغم يقيننا من صعوبة البحث العلمي في هذا المجال بالذّات، خصوصًا مع ندرة المصادر الموثوقة وقلّة الحفريات والمخطوطات وكلّ ما له أثَرٌ مادي على كتابة التاريخ وسرد الوقائع، فإنّ هذا البحث الشامل والحديث يُمكن اعتباره في نظري أصدق مرجع تاريخي باللغة العربيّة لتاريخ بلاد العرب قبل مجيء الإسلام. لكنّه فعلًا بحثٌ مُفصَّل وقد يغرق القارئ في بحر التفاصيل إلى حدّ يجد بعده صعوبة في إيجاد معلومة بعينها وهو يتنقل بين أجزائه التي فاقت العشرة. وبما أنّ ما يهمّنا من هذه الخلفيّة التاريخيّة هو معرفة المعتقدات التي دان بها العرب قبل الإسلام والتعابير الدينيّة التي تداولوها فيما بينهم أو عرفوها عن غيرهم من الأقوام التي تعاملت معهم بشكل أو بآخر، سوف أقتصر هنا على هذا الجانب من التاريخ مع العلم بأنَّ ما عرفته عن هذا الجزء من التراث الإنساني جعلني أُعيد اكتشاف تاريخ الأديان والحضارات السابقة من الأساس.

إنَّ الرأي المعروف بين الناس، حتّى الطبقة المتعلّمة منهم، أنَّ العرب الجاهليّين كانوا على جانب عظيم من الانحطاط الديني قبل الإسلام، وأنَّ تفكيرهم في ذلك تفكير منحطّ لا يتجاوز تفكير القبائل البدائيّة، هو رأي خاطئ، في نظر الدكتور جواد علي، يفنّده حتى القرآن الكريم. وقد أتى في بحثه على أسماء رجال كان لهم شأن في الحياة الدينيّة للجاهليّين، وأنّ رجالًا منهم كانوا على الحَنَفِيَّة، ويريدون بها ديانة التوحيد، وأنّ آخرين بشّروا بالوَثَنِيَّة وأشاعوها بين العرب لِمَا كان لهم من مكانة ونفوذ، ومنهم من كان يعبد الأصنام كوسيط يقرّبهم إلى الله زُلفى، وآخرون كانوا على عِبادة “الله” وعِبادة “الرحمن”، وفي هذا كلّه إشارة إلى وجود شخصيّات حدّثتهم عن وجود الإله الخالق وعن ضرورة عبادته. وليس في حجّ الكعبة والأشهُر الحُرُم إلّا دليل آخر على بقايا عبادات قديمة جاء بها المُرسَلون. كما أنّ رجالًا من الجاهليّين كانوا على ملّة اليهوديّة ودين المسيح، وكلُّ المذكورين كانوا ممّن مهَّد الجادّة إذن لظهور الإسلام.

ورغم ذلك لا يوجد لدينا أيّ دليل أثري لأسماء أنبياء عرب باستثناء الذين جاء ذكرهم في القرآن، وبالتالي يصعبُ علينا القول بأنّ كلمة "نبي" هي كلمة عربيّة الأصل. وهذا لا يعني كذلك عدم استعمالها من قِبَل العرب قَديمًا، فقد شهدت فترة ظهور الإسلام عددًا ممّن ادّعوا النبوّة وهذا في حدّ ذاته دليل على أنّ مصطلح "نبي" كان معروفًا ومتداولًا عند العرب بصفة عامّة. لكن يبقى السؤال قائمًا حول مدلول الكلمة ومدى استعمالها في المجال الديني بشكل حصري. وفي هذه المسألة يقول جواد علي: " ولا بُدَّ لنا للوقوف على صورة أوضح للحياة الدينيّة عند الجاهليّين من وجوب دراسة الألفاظ الجاهليّة ذات المعاني الدينيّة بجمعها وتبويبها وتثبيت معانيها …"، فقد أدّى مجيء الإسلام إلى ظهور مصطلحات جديدة وموت مصطلحات قديمة فصارت هذه المصطلحات من علائم الوثنيّة. كما أنَّ بعض المصطلحات القديمة تطوّرت وأصبحت أكثر حضورًا ودلالة، وكلمة "نبي" من هذه الناحية هي بلا شكّ من أكثر المصطلحات الدينيّة التي أخذت بُعدًا جديدًا عند العرب بعد ظهور الإسلام.

واليوم حين نبحث في أصل الكلمة واشتقاقها من الناحية اللغويّة نجد لها اشتقاقات ثلاثة [2]: النَّبَأُ وهو الخبر العظيم؛ النُّبُوُّ وهو المكان المرتفع؛ النَّبِيءُ ويعني الطريق. وإن كانت كلُّ هذه الاشتقاقات تفي بالغرض من حيث الأوصاف التي يُمكن ربطها بشخص "النبي"، باعتبار أن الكلمة هي اسم علم وليست مجرّد صفة، فإنَّ الاشتقاق الأوّل يبقى هو الأكثر دلالة وإجماعًا. أي أنّ النبيّ هو المحدّث بما يقع من الأمور ومن يأتي بالنَّبأ والخبر العظيم. لكن من الناحية الاصطلاحيّة يظلّ الغموض مُخيّمًا على هذا المفهوم خصوصًا من حيث ارتباطه بمسألتي "الوحي" و "الرسالة الإلهيّة"، ومن ثَمَّ الفرق المحتمل بين "النبي" و "الرسول" وإن كانت هناك علاقة تجمع بينهما أم لا. وهذا يستدعي دراسة معمّقة لتطوُّر المجال الديني عند العرب قبل وبعد ظهور الإسلام، ومدى ارتباطه أو تأثُّره بأديان الأقوام الأخرى التي كانت متواجدة في البلاد العربيّة.

ويؤكد الباحث نفسه بأنّه لدراسة الدِّين عند العرب دراسة صحيحة لا بُدّ من الرجوع إلى أصول الأشياء. ويعني بأصول الأشياء هنا ديانة الساميّين الأولى بشكلها البدائي القديم، " فمن تلك الشجرة"، يقول كاتبنا، " تفرّعت أديان الشعوب الساميّة، وفي ذلك الدِّين نجد الأصول والأسس التي بُنيت عليها الديانات الفروع". ويضيف: " وللتوصّل إلى تكوين رأي عن أديان السامييّن القديمة لا بُدّ من دراسة النصوص الدينيّة الساميّة كلّها، ودراسة كلّ ما له صلة بالدِّين عند الساميّين، ومقارنة الأديان الساميّة بعضها ببعض ومراجعة الأصول اللغويّة للمصطلحات الدينيّة عند جميع الشعوب الساميّة للتوصّل منها إلى الأسس العميقة المدفونة التي أقيم عليها بنيان ديانة السامييّن".

ويبدو أنّ كلمة "نبي" تُمثّل واحدة من هذه المصطلحات التي بنيت عليها ديانة الساميّين الأولى، فنفس الكلمة نجدها حاضرة في اللغة العبريّة (nabi=נָבִיא)، كما أنَّ لها نفس الاشتقاق بالضبط (naba=נָבָא)، وكذلك في اللغة الأَكَدِيَّة (nabū) وهي من اللغات الساميّة القديمة التي ظهرت في بلاد الرافدين منذ حوالي 3000 سنة قبل الميلاد. وفي هاتين اللغتين يتكرّر المعنى الذي أشرنا إليه سابقًا بأنَّ النبي هو المحدِّث بما يقع من الأمور.

ومن الناحية الاصطلاحيّة نجد أنَّ أسفار التوراة محمّلة بأخبار الأنبياء الذين بُعثوا في بني إسرائيل ليُحدّثوهم عن أحوالهم وأمورهم وما يمكن وقوعه من أحداث هامة في المستقبل القريب والبعيد، ولكن مع وجود اختلاف واضح في الصفة والمرتبة بين هؤلاء الأنبياء وبين صاحب الرسالة ومشرّع الدين حضرة موسى عليه السلام. فمثلًا نجد في الإصحاح السابع من سفر الخروج: "1 فَقَال الربُّ لمُوسى انظُر. أنا جَعَلتُك إلها لفِرْعَون. وهَارُون أخُوك يكون نَبِيُّك. 2 أنت تَتَكلَّمُ بكُلّ ما آمُرُك. وهَارُون أخُوك يُكلِّمُ فِرْعَون ليُطلِق بني اسْرائيل مِن أَرضِه". وهذه إشارة صريحة إلى أنّ مرتبة النبيّ هي أقلّ من مرتبة موسى صاحب الرسالة الإلهيّة.

 وهذا ما جاء يؤكّده القرآن الكريم حول الفرق بين مرتبتي موسى وهارون، فأشار إلى موسى عليه السلام بالقول: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا" [3]، وإلى هارون بالقول: "وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا" [4]. وبالإضافة إلى الفرق في المرتبة بين الرسول والنبي، فإنّ هذه الآيات من سورة مريم تُشير إلى أنّ كلمة نبيّ يمكن أن تكون أيضًا صفة من الصفات التي ارتبطت بالرُّسُل. ففي نفس السياق يأتي القرآن على وصفِ الرسول محمّد صلى الله عليه وسلَّم بأنّه نبيٌّ في أكثر من موضع، كما جاء في سورة الأعراف (الآية 158): "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ".

وفي نفس الوقت يوضّح القرآن الكريم الفرق بين الرسول والنبيّ على أنّهما شخصيّتان مختلفتان من حيث نوع المهمّة الموكلة لهما من عند الله. فهُنَالِك الرسول الذي يمكن أن يكون نبيًّا، وهُنَالِك النبيُّ وهو أيضًا قد أرسَلَهُ الله: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إِذَا تّمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" [5]. ويقول ابن تيميّة في هذا الشأن: " فقوله (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ) دليل على أنّ النبيّ مرسل ولا يسمّى رسولًا عند الاطلاق لأنّه لم يُرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنّه حقٌّ كالعلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الانبياء" [6].

في الأخير، وبتمعّننا في الأوصاف والشخصيات التي بعثها الله كلٌّ بما أوحي إليه وما أُمِر به حسب ما جاء في العهدين القديم والجديد وما رُقّم في القرآن الكريم، نفهم بأنّ الرسول هو صاحب رسالة إلهيّة تُشرّع للنَّاس دينًا جديدًا، وبأنّ النبيّ هو من يَقُود الناس على نهج ما جاء به الرسول من قبل ويُحدّثهم عن أحكام دينهم ويُخبرهم بِمَا هوَ قادمٌ من أحداث، ولكنّه لا يشرّع لهم دينًا. وإن كان من شيء يشترك فيه الرسول مع النبيّ فهو من جهة قيادة الناس قيادة روحيّة وأحيانًا سياسيّة كذلك، وذلك بوحي من الله، ومن جهة ثانية إخبارهم بأنباء الغيب التي أطلعهم الله عليها.

وبالرجوع إلى الآية الأربعين من سورة الأحزاب: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما"، نفهم بأنّ رسول الإسلام ليس له من بعده من يَخْلفُه لقيادة الناس ويكون بمقام النبيّ. فكانت حكمة الله ألّا يكون له وَلدٌ يرِث عنه النبوّة، لذلك نزلت الآية الكريمة موضّحة هذا المقام ومُعلنة بصريح العبارة عَدَم أُبُوَّته لأحدٍ من المؤمنين. وهذا أيضًا ما يؤكّده الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ" [7]. وكذلك ما جاء على لسان سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: "خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَقَالَ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي" [8]. وبالتالي فكون سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلَّم خاتم النبيّين لا تعني ضمنيًّا بأنّه خاتم المرسلين لأنّه عليه الصلاة والسلام جمع بين الصفتين، فكان صاحب رسالة إلهيّة (رسول الله) وفي الوقت نفسه آخر من يَسُوسُ الناس بوحي من الله (خاتم النبيّين) كما كان موسى عليه السلام والنبيُّون من بعده يسوسون بني إسرائيل.

وبالرجوع إلى حجّة أنّ الإسلام هو الدِّين الوحيد المقبول عند الله مصداقًا لقوله تعالى: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [9]، فقد قالت اليهود من قبلُ بأنَّ حُكْمَ السَّبْتِ أبديّ لا يزول مستدلّين بما جاء في أسفارهم: "فَيَحْفَظُ بَنُو إِسْرَائِيلَ السَّبْتَ لِيَصْنَعُوا السَّبْتَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةٌ إِلَى الأَبَدِ" [10]، وقال المسيحيُّون مِثْلَ قولهم بأنَّ ما جاء به عيسى عليه السلام هو أيضًا أبديّ لا يزول: "اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ" [11].

إنّ تشابه الحالات الثلاثة يجعلنا نفكّر مليًّا في معنى "الإسلام"، لأنّه بالتأكيد هناك رأي آخر غير الذي سِيقَ لنا. ففي هذه المرحلة من رحلتي كنت على يقين بأنّ الرسالات الإلهيّة هي دورات في عالم الوجود، ما إن تنتهي دورة حتى تبدأ أخرى. وهذا ما دفعني للبحث في تفسير تلك الآيات التي أصبحت مع مرور الوقت شعارًا للامتياز والأفضليّة، وكأنّها رقمٌ مدوَّنٌ في بطاقة الهويّة. فصار الكلّ يردّد: "إنّ الدين عند الله الإسلام"، "ومن يبتغ غير الإسلام دينًا ..."!

كان اندهاشي بادئ الأمر بوجود تفسير مختلف تمامًا عند ابن كثير الذي يُعدُّ من أكثر التفاسير اتّباعًا وتداولًا. فالآية تُفيد، بالنسبة له، أنّه من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله فلن يُقبل منه. وهذا راجعٌ لكونه يفسّر الآية الكريمة ضمن سياقها في السورة انطلاقًا من الآية 83: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85)". فيقول [12]: " يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ أَرَادَ دِينًا سِوَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتُبَه، وأرسل به رُسُلَه، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَي اسْتَسْلَمَ لَهُ مَنْ فِيهِمَا طَوْعًا وَكَرْهًا".

أمّا بالنسبة للآية 19 من سورة آل عمران: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". فيقول ابن كثير [13]: " (إن الدين عند الله الإسلام) إخبارٌ من الله تعالى بأنّه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتّباع الرسل فيما بعثهم الله به في كلّ حين"، فنفهم من كلامه بأنّ الموضوع ليس حِكرًا على رسالة محمّد عليه الصلاة والسلام لأنّ الإسلام، بمعناه المجرّد، يعني الاستسلام والانقياد إلى الله. وهذا ينطبق على كلّ الأديان التي تدعو إلى التوحيد والإيمان بالإله الخالق الذي لا شريك له.

وما يؤكّد هذا المعطى في نظري وَصْفُ "المسلمين" الذي يتردّد في مواضع عديدة من القرآن الكريم نسبة لأتباع الأديان السابقة ورُسُلِهم كذلك، أي أنّه ليس حكرًا على المؤمنين بمحمّد صلى الله عليه وسلَّم بدليل الآيات التالية:

  • إبراهيم وإسماعيل: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ" [14].

  • إبراهيم ويعقوب: "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" [15].

  • سحرة فرعون: "وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ" [16].

  • بنو إسرائيل: "وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ" [17].

  • أهل الكتاب: "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ" [18].

 

الآيات كثيرة وكلّها تُقِرُّ بأنّ الإسلام هو اتّباع الرُّسُل فيما بعثهم الله به في كلّ حين. وهذا ما وجب أيضًا لسيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلَّم بصفته رسولًا مثله كمن سبقه من المرسلين، كما جاء في سورة آل عمران (آية 144): "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ".

وحتّى في الآية الوحيدة التي تتحدّث عن اكتمال الدين وتمام الشريعة ليس هناك ما يُفيد بأنّ الوحي الإلهي قد انقطع، بل كان الحديث فقط عن انتهاء الدين المحمّدي بصفته نفس "الإسلام" الذي يتجدد في كل حين كعهد أبدي وميثاق متين: "الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" [19]. فالآية أوَّلا جاءت في سياق جملة من أحكام الشريعة المحمّديّة، وهي تتحدّث صراحة عن اكتمال دين قوم بعينهم (أكملت لكم دِينَكُم)، وهم في هذه الحالة قوم سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام، وليس عن الدِّين المطلق أي الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين (رضيت لكم الإسلام دِينًا).

إنّ الأنبياء الذين يَهدُون الناس ويُسيّرون شؤونهم من بعد مجيء الرُّسُل قد ولَّى زمانهم، فلا نبيّ يُذكر بعد مجيء محمّد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا عند المسلمين ولا عند اليهود والمسيحيّين. لقد ترك الأنبياء مكانهم لقدّيسين وأولياء، ولملوك وخلفاء، ولقساوسة وأحبار وأئمّة وعلماء. فساهم كلٌّ من جهته في قيادة البشريّة وإرشادها حسب ما اقتضته الظروف والأحوال. لكنّ هؤلاء جميعًا ظلّوا ينتظرون قدوم المسيح أو بالأحرى عودته في يَوْمٍ تنبّأ به النّبِيُّون من قبل، وما كان محمدٌ عليه الصلاة والسلام إلا رسول الله وآخر النبيّين.

فكَوْرُ النبوّة قد انتهى بالفعل بعد أن تحقّقت كلّ النبوّات السابقة عن مجيء يوم الله الموعود، وبدأ كَوْرٌ جديدٌ تجاوز منذ بداياته كلّ الحدود. فهل نشهد في هذا اليوم بداية مرحلة جديدة من تاريخ البشريّة يتأسّس فيها نظامٌ إلهيٌّ جديد؟ هذا ما بدأت أعتقده في قرارة نفسي في هذه المرحلة من رحلة البحث والتقصّي.

إنّ احتمال وجود تفسير مغاير لمفهوم خَتْمِ النُّبُوَّة، والذي يترك الباب مفتوحًا لاستمرار الوحي ونزول الهدايات، يجعلنا نُعيد النظر في كلّ المفاهيم التي اعتقدنا أنّها من المسلّمات، والحديث هنا عن "يوم القيامة" وعن "ظهور المهدي" و "نزول عيسى" من السماوات. ويجعلنا نرى بشكل مختلف تلك الإشارات التي نقرأها في القرآن الكريم كلّ هذه السنوات، عن "النبأ العظيم" وعن "الداعِ" وعن "المنادِ" وعن "البيّنة" وغيرها من البشارات. فكلّ شيء فيه يُحدّثنا عن قدوم موعود أخبرت به سائر الرسالات، سوف يدعو الناس ويُناديهم إلى الحقّ ويُبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بيّنات.

لقد أصبح جليًّا بالنسبة لي أنّني أقف على أعتاب "باب" لا مفرّ منه، يتراءى لي من خلفه نور عظيم يشدّني إليه. وأدركت أنّ مفتاحه سرّ مختوم ختامه مسكٌ، يحمله المسيح بين يديه. فهل أنتظر قدومه أم أذهب بنفسي للعثور عليه؟!

 

[1]  المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام: الدكتور جواد علي. دار الساقي للنشر، الطبعة الرابعة 1422هـ / 2001م.

[2]  معجم المعاني الجامع والمعجم الوسيط - معجم عربي عربي.

[3]  سورة مريم، آية 51

[4]  سورة مريم، آية 53

[5]  سورة الحج، آية 52

[6]  ابن تيمية في النبوات ج1 ص184

[7]  رواه البخاري (3455) ومسلم (1842)

[8]  رواه البخاري (4416) ومسلم (2404)

[9]  سورة آل عمران، آية 85

[10]  سفر الخروج، إصحاح 31: 16-17

[11]  لوقا 21: 33 ؛ متى 24: 35

[12]  تفسير ابن كثير جزء 2، ص 59.

[13]  تفسير ابن كثير جزء 2، ص 20-21.

[14]  سورة البقرة، الآيات: 127-128

[15]  سورة البقرة، آية 132

[16]  سورة الأعراف، آية 126

[17]  سورة يونس، آية 84

[18]  سورة القصص، الآيات: 52 ـ 53

[19]  سورة المائدة، آية 3

 

 
OverPage-0 (11).png
00:00 / 25:03
مِن بين الأمور التي لفتت انتباهي وبدأت تشغل تفكيري في موضوع تعدّد الديانات واختلافها، هو السبب وراء تمسّك كلّ فئة بمعتقدها ورفضها التغيير أو مجرّد الاطّلاع على ما جاءت به الأديان الأخرى. وحين تتحدّث هذه الأديان عن ظهور شخصيّة قياديّة جديدة، فيما اصطلح عليه بالنبوَّات أو التنبّؤات، يُفهم ضمنيًّا بأنّ هذا المبعوث "المنتظر" سيحافظ على الدين نفسه دون تغيير ...
project_20201209_1909515-01.png