يوم القيامةالمحطّة السابعة
00:00 / 36:25

يوم القيامة

في هذه المرحلة من رحلة البحث والاكتشاف أصبحت فجأة أرى الوجود بشكل مختلف، وبدأت أفهم ما يجري من أمور متسارعة في اتّفاق وتناغم بين ما كنت أعتقده وما صرت أؤمن به من فهم روحي وعلمي لما يعنيه التطوّر البشري من يوم لآخر، وأنّ هذا اليوم الذي نعيش فيه شعاره العالميّة حيث الأرض وطن واحد وجميع البشر سكّانه. لقد تبدّل وجه العالم في السنوات الأخيرة وأصبح قرية صغيرة يتجاور سكّانها ويتعاونون، فتجاوزنا كلّ الحدود القديمة ولم يَعُد هناك مجال للشكّ بأنّ البشريّة قد دخلت حقبة جديدة من تاريخها المشترك. وإذا بدا لنا الأمر بديهيًّا لأنّنا تعوّدنا عليه اليوم، فهو لم يكن كذلك قبل قرنين من الزمن، ومجرّد تصوّره والتفكير فيه كان سيعدّ ضربًا من الجنون وهلوسة من صنع الخيال. ألم يُذكر بأنّه في يوم القيامة ستُبدَّل الأرض غير الأرض؟! فهل قامت القيامة ونحن غافلون؟

لقد بدأ كلّ شيء باختراع نحسبه بسيطًا للغاية، لكنّه آنذاك كان يمثّل النهاية، وفي نفس الوقت لم يكن سوى البداية. فقد شكل اختراع "التِّلِغْرَاف" نهاية زمن التواصل المعروف منذ الأزل، والمرتبط أساسًا بقدرة الإنسان على التنقّل والسفر لأماكن بعيدة، وبداية زمن التواصل الحديث الذي لا يعترف لا بالزمن ولا بالمسافات الطويلة. وكان ذلك بمثابة الإعلان عن انتقال الإنسانيّة إلى مرحلة جديدة لم يسبق لها مثيل. ففي الرابع والعشرين من شهر مايو/أيار سنة 1844م، أي في اليوم الذي يلي إعلان دعوة "الباب" بالضبط، أُرسل أوّل تِلِغْرَام في تاريخ البشريّة، وكان نصُّ الرسالة الذي تم اختياره لهذا الاختبار يقول: " هذا ما صنعه الله". وكأنّ الذين أشرفوا على هذا العمل الجبّار قد أدركوا عظمة هذا الاختراع، أو كأنَّهم آمنوا بأنَّه وحيٌ من الله.

سامويل مورس يرسل أول تلغرام

أول تلغرام أرسله سامويل مورس في 24 ماي 1844 من واشنطن إلى بلتيمور

" WHAT HATH GOD WROUGHT "

أول تلغرام من سامويل مورس

وها نحن، اليوم، نُحَلِّق في السماء العالية، ونُرسل إلى الفضاء أقمارًا تُضاهي النجوم في ليلة صافية، كما نحمل في جيوبنا أجهزة صغيرة تصلنا بالعالم وتحمل إلينا أخباره في أقلّ من ثانية. حدث كل ذلك في غفلة من الجميع، فلا زلنا نتذكّر ما حكاه لنا أجدادنا عن المذياع حين اجتمعوا لينصتوا إليه مندهشين، وعن التلفاز حين تحدّثوا معه وكأنّه أحد الحاضرين، وهؤلاء ليسوا من الغابرين. إنّها بالفعل مرحلة جديدة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى تغيّرت معها قوانين الأزمنة السحيقة، فلا الشمس تأتي من الشرق وتغرب في عين حَمِئَة، ولا الأرض ممدودة تحدُّها بحار عميقة.

طِوالَ رحلةِ البحث هذه، كنت أكتشف تِباعًا بأنَّ أغلب الأديان الموجودة تحدّثت عن هذا اليوم بإشارات وعلامات كثيرة، وجميعها ربطت هذا الزمان بظهور شخصيّة عظيمة، بمُسميَّات مختلفة، لكن بمواصفات متقاربة جدًّا. إلّا أنّ الحديث في كلّ مرّة عن نهاية العالم ظلَّ لُغزًا محيّرًا، لأنّه كلّما تمّت الإشارة إلى تاريخ معيّن حسب نُبُوءات الأمم السابقة لا يحدث شيء ممّا هو منتظر. لذلك وجدت بديهيًّا أن نتساءل إن كانت "القيامة" تعني بالضرورة الفناء، وليس شيئًا آخر ربّما يحدث في الخفاء؟!

لا شكَّ بأنَّ مسألة ارتباط القيامة بالفناء ونهاية العالم تعود إلى التفسير المادي للآيات المتشابهات التي تزخر بها الكتب "المقدّسة"، وهو التفسير الأكثر انتشارًا والذي تعوّدت على سماعه الأجيال المتعاقبة. فصار مُسَلَّمًا عندنا بأنَّ الأمم ستفنى في هذا اليوم، وبعدها يُبعث الناس من قبورهم بأجسادهم التي يُعيد الله خلقها من جديد، ليُحاسبوا على أعمالهم، فيكون جزاؤهم إمَّا جنةٌ بنعيمها الأبدي أو نارٌ تحرقهم بشكل متكرّر لا ينتهي.

لكن هل كان ذلك هو التفسير الوحيد، أم أنّ هناك تفاسير أخرى ربّما لا علاقة لها بما اعتدنا سماعه؟ لأنّه بالرجوع إلى أصل الكلمة ومعانيها اللغويّة لا نجد ما له صلة بالفناء والنهاية وغيره، فالقيامة تعني القِوامَة وهي بمعنى القيام على الأمر. وبالتالي يبقى المعنى الشائع مرتبطًا بما استنبطه "العلماء" من فهم وتفسير للآيات المتشابهات، وما نقلوه من أحاديث، متأثّرين بما هو متداول عند "أهل الكتاب" من أوصاف وتشبيهات متقاربة.

ولعلّ أكثر الأشياء تأثيرًا في فهمنا للإشارات التي حملتها "كلمات" الله عن يوم القيامة هي اعتقادنا، لسبب ما، بأنّ الحياة بعد الموت هي حياة جسمانيّة، وهي في الوقت نفسه مؤجّلة إلى هذا اليوم الموعود، أي إلى يوم "البعث". وبالبحث في هذه المسألة تبيَّن لي أوّلًا أنّنا نتحدّث في موضوع غامض ومبهم، فلا أحد يملك الدليل على وجود حياة بعد الموت من عدمه، ولا يمكن لأحد أن يُكَوّن تصوّرًا عن طبيعة هذه الحياة "المفترضة" لأنّها بكلّ بساطة تقع خارج مجال إدراكنا الحسّي والعقلي. وبالنسبة لما نُقلَ إلينا من شَرحٍ لمفهوم البعث والحساب والصراط والجنّة والنار، وجدت أنّ هذه التفاسير الشائعة التي أصبحت تمثّل الرأي العامّ في يومنا هذا لم تكن كذلك في حينها، وهناك من كان له رأي مختلف. فقد رأت طائفة من الفلاسفة المسلمين مثل الكندي والفارابي وابن سينا أنَّ الميعاد روحيٌّ فقط، وإنما مُثّل به لإرادة البيان، إضافة إلى قولهم بقِدَمِ العالم وأزليَّته. وقد لاقت هذه الفئة معارضة شديدة من بعض الفقهاء لدرجة تكفيرهم والمطالبة بقتلهم، وعلى رأسهم الإمام الغزالي الذي يؤكّد وُجُوبَ القول بميعاد الأجسام ويَحكُم بالكفر على من أنكر ذلك وقال بميعاد الأرواح فقط. أمّا ابن رشد فرأيه في هذه المسألة أنّ الواجب هو الإيمان بالبعث بعد الموت وأنّ هناك ميعادًا، وأمّا كَونُ الميعاد يكون للأرواح أو للأجسام فليس بمُهِمّ بل لكلّ إنسان أن يعتقد ما أدّى إليه نظره واجتهاده. [1]

إذن ليس في الأمر إجماع على ما يبدو، وليس هناك دليل أو برهان على التفسيرين معًا لأن كلّ ذلك اجتهاد. وهذا في حدّ ذاته يثير الشكّ ويجعلنا نتساءل من جديد: كيف لمسألة اختلف فيها السلف من المفسّرين اختلافًا صارخًا أن تصبح مع مرور الوقت رأيًا واحدًا يُجمع عليه المسلمون ويجعلونه من المسلّمات في العقيدة؟

تمثال ابن رشد بقرطبة إسبانيا

ابن رشد 1126- 1198

تمثال لابن رشد بقرطبة، إسبانيا

إنّها في نظري قضيّة نفوذ وسلطة أصبحت بيد العرب بعد أن وحّدوا صفّهم بدخول الإسلام، وهو شيء لم يكن في الحسبان. فصار كلّ اجتهاد يساهم في جعل دينهم آخر دين هو الصحيح، وما سواه من القول كفر وعصيان. وبالتالي فإنّ كلّ ما ذكر عن ظهور "المهدي" وعودة "المسيح" سيصبح بالضرورة مجرّد أحداث ثانويّة، تسبق مباشرة "يوم" النهاية وفناء البشريّة. وهذا ما يُقرُّ به المسيحيّون كذلك، مع اختلاف بسيط وهو أن دين عيسى هو الختام، وأنّ عودته ستُخلّص البشريّة قبل يوم الفناء والانعدام. فصار كلُّ دين عند أتباعه إمام، لا يزول إلا بزوال الإنسانيّة في يوم القيام.

كان لا بُدّ لي في هذه المرحلة أن أُعيد بنفسي قراءة الآيات ومحاولة فهمها انطلاقًا ممّا وصل إلى علمي من معطيات جديدة ومفاتيح بإمكانها أن تَفُكّ الرحيق المختوم. وأنا إذ أُشَارِكُكم بعضًا منها فلست أستدلّ بها على شيء، ولا أحاول إثبات ما عجزت عنه كلّ العلوم. ولكن، لكي أفهم سبب القول السائد بميعاد الأجسام أخذت أتمعّن تلك الآيات التي فُسِّرت على أنّها الدليل الصريح والمُثبَت بالقول الصحيح.

فقد جاء في سورة يس (الآية 77-79): "أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ"، وكذلك ما جاء في الآية الخامسة من سورة الرعد: "وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ". وفي هذه الآيات جوابٌ من الله على من يتحدّى قدرته على الإحياء، وبأنّ من أنشأ الخلق في البداية قادر أن يُعيده. وبالتفكّر مليًّا في الآيات السابقة نجد أنّ السؤال هو في كلّ مرّة عن قدرة الله، وهو سؤال المُشكّكين في وجود الله الخالق من الأساس أو في نبوّة محمّد صلى الله عليه وسلَّم بالمجمل وليس فقط في الجزء المتعلّق بالبعث والإحياء من جديد. لذلك سنجد بأنّ الجواب يؤكّد على هذه القدرة الإلهيّة، فيأتي الردّ من نفس صنف السؤال بما يفيد تكرار نفس الفعل، وأحيانًا يتعدّاه للإشارة بأنَّ الله على كلّ شيء قدير. وهذا ما تُشير إليه سورة القيامة (الآية 3 و4): "أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ".

إنّ الأوصاف والإشارات التي رافقت الحديث عن "يوم القيامة" من موت جماعي ودمار شامل، ومن ثَمّ بعث وإحياء وخلق جديد، قد فُسّرت بظاهرها في كثير من الأحيان رغم أنّ مسألة الموت والإحياء نفسها ذُكرت في أكثر من مناسبة في إشارة إلى الإيمان والهداية والانبعاث المعنوي والروحي لدى الإنسان. فنجد القرآن يصف إيمان حمزة بن عبد المطّلب عمّ النبي في مقابل إعراض أبي الحكم (أبو جهل) في الآية 122 من سورة الأنعام: "أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا، كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". هذا المجاز نفسه نجده في قصّة عيسى عليه السلام مع أحد تلامذته حين استأذنه في الذهاب لحضور مراسم دفن والده، فقال له المسيح: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" [2]. فوصف الذين لم يتّبعوه من القوم بالموتى، وهم أحياء، مِثلهم مِثل أبيه الذي فارق الحياة.

وربّما نجد تأكيدًا لما ذكرناه، على أنّ البعث الذي أخبرنا الله به في يوم القيامة روحي وله صلة بالهداية والرجوع إلى الله وإلى الصراط المستقيم، في هذه الآيات من سورة الإسراء (آية 49-52): "وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا. أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا، قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ، قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا. يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلً". ففي هذه الآيات يتكرّر نفس التحدّي الذي أشرنا إليه سابقًا، لكنّ الجواب في هذه المرّة لم يكن من صنف السؤال في إشارة إلى أنَّ المُتَلقِّي بعيدٌ كلّ البُعد عن فهم المقصود من البعث والخلق الجديد. فنجد أنّ التحدّي هنا بدل أن يكون بما هو أصغر وأهون من العظام والرفات كان بالحجارة والحديد وهما أشدُّ صلابة ودوامًا، وهذا في حدّ ذاته لا يُعدُّ تحدّيًا منطقيًّا إذا فسَّرنا الآية تفسيرًا ماديًّا. من جهة أخرى، فإنّ الحديث عن "ما يكبُر في الصدور" وعن "الفطرة الأولى" وعن "الاستجابة للدّعوة" هو تلميح ضمنيّ بعودة الأنفس إلى الهداية والفطرة التي فطرنا الله عليها استجابة لدعوته لها في ذلك اليوم وإن بلغت بها القسوة، أي الأنفس، مبلغ الحديد والحجارة أو أكثر من ذلك.

لقد نتج عن الفهم المادي لمعنى البعث من القبور معتقدات بالجملة كان أهمّها عذاب القبر بصوره المجسّدة التي تقشعرّ لها الأبدان. وكلُّ ذلك مصدره أنّنا سلّمنا بكون الميعاد جسماني، وفهمنا على أساسه بأنّ بعث الناس من القبور هو بعث للأجساد وليس الأرواح، وبأنّ القبور هي نفسها التي نزورها في المقابر. فإذا تمعنّا قليلًا في الآية الكريمة: "وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ" [3]، سنجد بأنّ مشهد "البعث" في يوم القيامة لا يشمل جميع الناس إذا فسّرناه تفسيرًا مادّيًّا، فهنالك جمٌّ غفير من البشر يتمُّ حرقهم بدل دفنهم في المقابر، ناهيك عمّن يموت غرقًا ولا يُعرف مصيره. وبالنسبة لهذه الملايين من البشر التي ستكون شاهدة على يوم القيامة وستفنى بسبب الدمار الذي سيَحِلُّ بالأرض والسماوات، من سيقوم بدفنها حتى تُبعث من قبورها؟

لكن إذا فهمنا بأنّ القبر هو مجرّد تشبيه مجازي لحالة من الموت الروحي والابتعاد عن دين الله الأبدي وصراطه المستقيم، يُصبح الجميع شركاء في العذاب طالما ظلُّوا مبتعدين عن أمره، وفي البعث إن هم استجابوا لدعوته. والغريب هو أنّ مثل هذا المجاز معروف عند العرب من قبل، ونجده مذكورًا في الآية 22 من سورة فاطر: "إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ". فالتشبيه في هذه الآية هو لقوم محمّد صلى الله عليه وسلَّم الذين لم يؤمنوا به، فكان مَثَلُهم كمَثَلِ الأموات التي في القبور.

وبالنسبة للفناء الجماعي يحكي القرآن في كثير من المواضع قَصص الأمم السابقة، وكيف سقط مجدها ودُمّرت حضارتها وزالت من الوجود، وكلُّ ذلك جاء نتيجةً لتكذيب الرُّسُل وتعذيبهم ومخالفة أمر الله وشريعته: "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ، وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ، فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ" [4]. فمن بين التسميات التي ارتبطت بيوم القيامة هناك تسمية "القارعة": "الْقَارِعَةُ. مَا الْقَارِعَة. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ" [5]، وهي القارعة نفسها التي جاء ذكرها في موضع آخر يتحدّث أيضًا عن يوم القيامة (الحاقّة) ويُذكّرنا بما حدث لأقوام كذّبت بهذه "القارعة" فحقّ عليها العذاب: "الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ. كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ" [6]. فلا أثر يُذكر اليوم لعاد أو ثمود، ولا لأقوام غيرهم حكموا الأرض لعقود. فهل لكلّ زمان قارعته ولكلّ عصر قيامته؟ لأن التاريخ يقف شاهدًا على حضارات ذهبت ولن تعود، في حين أن الإنسانيّة باقية بإرثها وحاضرها الموعود.

وإذا كان ذلك يحدث باستمرار على مرّ التاريخ، إذ إنّ لكلّ أمّة رسولها: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ، فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"[7]، ولكلّ أمة دينها وشريعتها: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا، وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" [8]، ولكلّ أمّة أيضًا أجلها المحدود: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً، وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" [9]، فلِمَ سيكون هذا الزمان استثناء إلّا من حيث عظمته وقيمته عند الله الودود.

وإذا تأملنا قليلا في تلك المشاهد المُهْوِلَة التي فُسّرت على أنّها صورٌ مجسّدة للدّمار الذي سيَحِلُّ بعالمنا في يوم القيامة، والتي تحكي عن انطفاء نور الشمس وتكويرها وعن انشقاق القمر وتصدّعه وعن انكدار النجوم وتساقطها، سنجد بأنّ هذه الأجرام إنّما تمثّلُ مصدر النُّور والإضاءة في عالمنا المادي، أفلا يُراد بهذا التشبيه أنّه في يوم القيامة ستنطفئ أنوار الهداية الإلهيّة وسيعمّ الظلام في العالم الروحاني؟ أليس هذا ما نشاهده اليوم من غياب لدور الأديان في تنوير الفكر وهداية الناس، حتى تعالت الأصوات المطالبة بإقصاء الدِّين من حياة المجتمعات ظنًّا منها بأنَّه سبب التعصُّب والنزاعات؟ ألسنا، إذن، في حاجة ماسَّة إلى نور جديد مُنبعث من نفس الشمس التي تشرق علينا من عالم الحقّ؟ فهذا ما وعدنا الله به في يوم القيامة حين يُطِلُّ علينا نوره من جديد: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" [10].

إنَّ هذا بالضبط ما أشار إليه الكاتب والمفكر اللبناني أمين الريحاني (1876-1943) في وصيّته التي كتبها قبل وفاته بتسع سنوات: " إنّ في كلّ دينٍ من أديان العالم نورًا يُضيء إلى حين ... ولكنّه لا ينطفئ نورٌ قبلَ أن يسطعَ نورٌ آخرُ مكانه. إنّ أنوار العالم القديمة على وشك الانطفاء كلّها. فتيقظوا، وراقبوا المصابيح الجديدة، وسيروا في مقدّمة المُستنيرين بأنوارها".

ولذلك فإنّ ما يُصيب الأرض والجبال أيضًا من انحلال وزوال يُمكن تفسيره بما يقع في عالم الخلق والبشريّة من اضطراب وتصدّع في الأفكار والمعتقدات، وما يصاحبه من تزلزل وسقوط لِهِمَمٍ شامخة كالجبال كانت في وقت من الأوقات هي من تقود الناس وتهديهم سُبُل الرشاد.

يوم القيامة هو أيضًا يوم "الفصل"، كما جاء في سورة الدخان: "إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ. يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ. إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ، إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" [11]. وهذا الفصل قد نجد له تفسيرًا في سورة السجدة: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ، وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ، أَفَلَا يَسْمَعُونَ" [12]. ومعنى الفصل هنا هو الحُكم وتوضيح ما اختُلِف فيه من الأمور: "وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ" [13]. فيتبيّن من خلال هذه الآيات بأنّ أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم بعد مجيء الرُّسُل بالعلم والهدايات، وكان آخرهم هو سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام، وأنّ الفصل بينهم سيكون في يوم القيامة. فكيف سيكون هذا الفصل؟

أظنّ أنّ الجواب أصبح واضحًا الآن فيما نزل من سورة البيّنة: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ" [14]. فهذه السورة مثلًا كانت لتكون بمثابة الدليل الواضح والصريح على مجيء رسول جديد في يوم القيامة ليفصل بين المختلفين من أهل الأديان ويدعو الناس إلى الوحدة والاتحاد، لولا أنَّ الرغبة في الحفاظ على الهويّة وما يصاحبها من امتيازات جعل الأمور تأخذ منحى مختلفًا تمامًا. فكان لا بُدّ من الدفع بانقطاع الوحي وانتهاء الرسالة، وفهم القيامة على أنّها الفناء والنهاية، وبأنّها الحسابُ للأجساد حتى تكتمل الحكاية.

إنَّ الآيات التي تتحدّث عن الظهور الموعود، وعن القيامة والساعة المنتظرة كثيرة ومتشابهة، ويمكن فهمها حسب الظاهر على أنّها وصف ماديّ لأحداث نهاية العالم، أو اعتبارها أمثالًا مُحمّلة بالمجاز وبالتالي لا علاقة لها بالفناء ونهاية البشريّة. وقد أوردت بعض الأمثلة فقط لأبيّن أنّ الأمر ليس بالسّهل المُسَلَّم كما نعتقد، وبأنّه علينا على الأقل أن نُدرك نسبيّة ما نعرفه عن هذا اليوم. وهذا ما جاء في سورة النازعات: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا. إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا" [15].

أليس غريبًا بعض الشيء أن يكون القرآن الكريم يُصرّح بالواضح أنَّ المعرفة المرتبطة بهذا الزمن الموعود ستظلّ خفيّة إلى أن يجلّيها الله في ذلك الوقت: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي، لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [16]، ومع ذلك لدينا كلُّ هذه المشاهد الدراميّة عن عذاب القبر وجمع العظام والبعث الجسماني وعبور الصراط ودخول الجنة بما فيها من لذّات لا معنى لها اليوم كالحور العين والغلمان وأنهار الخمر والعسل والزرابي والأرائك والفواكه بكلّ أنواعها، إلا إذا كانت مثلًا ومجازًا يشرح الأمور لعقول على قدر إدراكها: "مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى، وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ" [17]. فلولا أنّ بعض "المجتهدين" جاؤوا بمثل هذه التأويلات التي لقيت آذانًا صاغية عند الجمهور، لكُنَّا لا زلنا نجهل ما تعنيه هذه النبوءات، ولبقينا ننتظر البيان الذي وعدنا به الله في الآية 19 من سورة القيامة: "إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ".

فهل هو "البيان" نفسه الذي جاء به ذلك الشابُّ الذي أُعدم في إيران منتصف القرن التاسع عشر، حين أعلن بأنّه "الباب" لمن يُظهره الله في يوم القيامة، هذا اليوم الجديد الذي ابتدأ بقدومه فكان لظهوره هو العلامة ؟!

 

[1]  ابن رشد، تهافت التهافت (في الرد على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي)

[2]  لوقا 9: 60 ؛ متى 8: 22

[3]  سورة الحج، آية 7

[4]  سورة غافر، آية 5

[5]  سورة القارعة، الآيات: 1 ـ 5

[6]  سورة الحاقة، الآيات: 1 ـ 8

[7]  سورة يونس، آية 47

[8]  سورة الحج، آية 34

[9]  سورة الأعراف، آية 34

[10]  سورة الزمر، آية 69

[11]  سورة الدخان، الآيات: 40 ـ 42

[12]  سورة السجدة، الآيات: 23 ـ 26

[13]  سورة آل عمران، الآية 19

[14]  سورة البيّنة، الآيات: 1 ـ 4

[15]  سورة النازعات، الآيات: 42 ـ 44

[16]  سورة الأعراف، آية 187

[17]  سورة محمد، آية 15

 
OverPage-0 (16).png
00:00 / 25:37
لقد اقتربت ساعة الحسم في مسيرتي الدراسيّة، ودنت تلك اللحظة التي ستغير مجرى حياتي إلى الأبد. الآن لم يتبقَّ على مناقشتي رسالة الدكتوراه في الطب سوى أيّام معدودة. في هذه الفترة كنت منشغلًا طوال اليوم بالتحضيرات والمراجعات النهائيّة، وكأنّني أُسابق الزمن. وعندما يَحلُّ الليل ويُخيّم السكون على أرجاء المدينة، كنت آخذ بين يدي كتاب "الإيقان" ...
project_20201209_1909515-01.png