الامتحانالمحطّة العاشرة
00:00 / 21:26
 

الامتحان

كنت في الثانية عشرة من عمري حين راودني حلمٌ غريب. أذكر ما رأيته في تلك الليلة كما أذكر يومي هذا: حلمت أنّنا مجتمعون في بيت قديم، أنا وأبي وأمي وكل أفراد العائلة الكبيرة، وكان على الباب حارسان يقفان وكأنّنا محتجزون. وفجأة ظهر نورٌ عظيم أضاء البيت بشدّة، وصاح الحارسان لقد جاء رسول الله. ثم دخل علينا رجل بلباس أبيض يُحيط به ذلك النور وكأنّه يشعُّ منه، وراح يسأل من في البيت واحدًا تلو الآخر: هل تُصلّي؟ ... كان كلُّ من يُجيب بالنَّفي يختفي على الفور، فقلت في نفسي سأختفي بدوري لا محالة لأنّي لا ألتزم بالصلاة، فاختبأت خلف أبي وأمي. وحين دنا منّا نظر إليَّ مباشرة وابتسم في وجهي ابتسامة لا تفارق مخيّلتي، ولم يسأل أيّ واحد منَّا نحن الثلاثة، ثم ذهب من حيث أتى ... فاستيقظت من نومي وجئت أمّي مسرعًا أردّد: لقد رأيت رسول الله! لقد رأيت رسول الله!

ومرّت الأيام والسنون ولم يخطر ببالي أنّ الحلم سيتحقّق في يوم من الأيام، وأنّني سأكون على موعد مع هذا الرسول وحيدًا دون غيري من بقيّة أفراد العائلة الممتدّة ...

أدرك أنّ الأحلام يُمكن تفسيرها كما نريد وليس لها من منطق يُذكر، حتّى إنّني لم أستحضر هذا الحلم من قبل لولا أن ذكّرتني به والدتي ونحن نتجادل حول السبب الذي جعلني أغيّر عقيدتي، أو بالأحرى أجدّد عهدي بخالقي، فأعادت على مسامعي ما رأيته في صِغَري وما قيل لنا حينها أنّه إشارة إلى ما سيكون لي من شأن عظيم في إعلاء الدِّين ورفع رايته. ولا أُخْفِيكم اليوم كم أصبحت معانيه واضحة بالنسبة لي بعد كلّ ما عرفته في رحلتي، ولا يزيدني إلّا طمأنينة. فكم هو جميل أن ترجع بالزمن إلى الماضي البعيد وتكتشف أنّك كنت تبحث عن الحقيقة منذ الصِّغَر، فما أحلام الطفولة إلّا أمانيّ نرجو تحقيقها في الكِبَر.

رحت أتذكّر ذلك الحلم بتفاصيله وأبتسم، إلى أن أيقظني صراخ أمّي في وجهي فأيقنت أنّها ساعة الامتحان قد حلّت من حيث لم أحتسب. لقد كانت ردّة فعل والدتي حادّة وقويّة، وصار بيننا خصام وجدال. ورأيتها منهارة كمن فقدت فلذة كبدها، أو كغريق يحجبه موج عالٍ كالجبال. أما والدي فقد أخذ موقفًا حياديًّا وقال لي: "لقد صرتَ راشدًا وتعرفُ ما تفعله، أمّا أنا فيكفيني ما كنت أعرفُه". كان ذلك أشدّ امتحان لي في هذه المسيرة، ذكّرني بما جاء في القرآن الكريم: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [1]. فالقول بالإيمان ليس دليلًا عليه إن لم يكن مقرونًا بالعمل بما يقتضيه هذا الإيمان، والثبات على العهد في وقت الامتحان.

لقد كان واضحًا من كلامي مع والديَّ بأن اختياري هذا لا رجعة فيه، فهو إيمانٌ بالله وأنا راسخٌ فيه. وقلت لهم إنَّ دين الله لا يفرّق بين المرء وأمّه وأبيه، وإن اختلفوا فَرِفْقَةٌ بالمعروف عَمَلًا بما يرتضيه. وهذا ما جاء في سورة لقمان: "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [2]. وقد زاد من راحتي وسكينتي ما قرأته لحضرة بهاءُالله عن كون إيمان الفرد في هذا الظهور هو أحيانًا تجلٍّ لما زرعه الوالدان من بذور. فلهما يرجع الفضل حقًّا فيما أنا عليه اليوم لأنّي حظيت بتربية روحانيّة من الجذور. لكنّني تساءلت في أعماقي عن سبب هذا العِنَاد، ولمَ هذا النُّفُور؟! 

رحتُ أتأمّل أسئلة والدتي حول مسألة تغيير القبلة والصلاة، وصيام أيّام أخرى بدل رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، فقد كان هذا أكثر شيء لم تتقبّله. وتذكّرت كيف أنّ الله غيَّر قبلة الذين آمنوا بمحمّد عليه الصلاة والسلام، فكان الأمر بمثابة امتحان لهم، وكيف بعد ذلك أخبرهم بأنّ ما يهمّ في الدِّين ليس القبلة وإنّما الإيمان، كما جاء في سورة البقرة: " لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّه" [3]. وهذا ما صرنا نلمسه بشدّة في هذه الآونة حيث نرى الناس متمسّكين فقط بمظاهر الدِّين ورموزه التي تدلُّ على الهويّة، دون أن يُحدث هذا الدِّين أيّ تغيير في سلوكيات الأفراد وأفعالهم. فيصبح المجتمع فارغًا في جوهره رغم كثرة المنتمين إليه وكأنّهم "غُثاءٌ كغُثاء السَّيل"، كما هو مذكور في الأثر من أحداث آخر الزمان.

بالفعل، حين يصبح الدِّين مجرّد هويّة مجتمعيّة ولا يتسنّى لنا خوض تجربة الإيمان نفقد الدافع والمحفّز الذي يساعدنا على الالتزام بالقِيَم والارتقاء بماهيّتنا الروحانيّة. فالإيمان هو تجربة فريدة تجعل الإنسان يُحدِّد عن اقتناع مرجعيته المؤثّرة في حالة الوجود وحالة العمل. والإيمان كما قلت في البداية ليس لحظة بعينها نتبنّى فيها مجموعة من الأفكار والمعتقدات، وإنّما هو عمليّة عضويّة تتكشّف تدريجيًّا وتتبلور إلى أن تصبح عقيدة راسخة. وأساس العمليّة طبعًا هو قدرة الفرد البالغ على أخذ القرار بكلّ حرّيّة وبعد تحرّي الحقيقة لكي يختار بنفسه مرجعيّة فكريّة وروحيّة تناسب قناعاته وميوله. وهكذا، يصبح الالتزام بالقيَم والمبادئ نابعًا من وضوح الرؤية وعمق الفهم، ممّا يَهَبُ الحياة هدفًا ومعنى، ويجعلنا نتّصف بالشغف والتفاني والتضحية.

إنّ ما يحدث في المجتمعات الدينيّة مع مرور الزمن هو شيء مركَّب يدخل في تكوين الهويّة الجماعيّة، إذ يصبح الناس متمسّكين بالممارسات والعادات التي تُمكّنهم من حالة "التفرُّد" المحدّدة لهذه الهويّة، والتي تميّزهم عن غيرهم من المجتمعات. ويصبح التعبير الجماعي عن العبادة ذا أهمّيّة بالغة في حياة الأفراد لأنّه يُشعرهم بالانتماء لفريق يُعتقد أنّ له الأفضليّة. ولذلك يرفض الناس بشكل عفويّ ودفاعيّ أيّ تغيير قد يحدث في أسلوب حياتهم والذي قد يُفقدهم هويّتهم وشعورهم بالتفوّق والأفضليّة. وهذا بالضبط ما نزل في حقّ اليهود الذين رفضوا أن يؤمنوا بما نزل على محمّد صلى الله عليه وسلَّم متمسّكين بما لديهم في التوراة: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" [4]. وفي هذه الآية أيضا إشارة إلى كون الإيمان يتنافى مع الأفعال التي يقومون بها. وهذا ما بدأنا نلمسه في أغلب المجتمعات الإسلاميّة وغيرها حيث يُدرك الناس أنّهم يعيشون انحطاطًا فكريًّا وثقافيًّا وأخلاقيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، ورغم ذلك يُجمعون على كونهم مؤمنين، وينسبون الفوز في الآخرة لنفسهم دون العالمين.

صرت أتفهّم الآن موقف والدتي ومدى تمسُّكها بما تعتقد أنّه الدِّين الخاتم، فهي تجتهد ما استطاعت لتفوز برضى الله ومحبّته، وتقوم بذلك على سجيَّتها وفطرتها. أمّا والدي فقد كان إنسانًا معتدلًا في تديُّنه ولكن في نفس الوقت كان أكثرنا انقطاعًا وقناعة، راضيًا بقَدَره، غير مبالٍ بشهوات الدنيا وملذَّاتها. وكنت أرى فيه صفة المؤمن عن حقّ بغضّ النظر عن الدين والعقيدة. ولم يتغيّر شيء في علاقته بي بعدما صرت بهائيًّا. بل أكثر من ذلك، كان دائمًا يحاول أن يُصلح بيني وبين والدتي وينصحني باجتناب الجدال معها. كما أنّه لم يحدث بيننا أيّ نقاش يُذكر، ما عدا تلميحه في إحدى المرّات القليلة التي أجرينا فيها هذا النّوع من الحديث إلى أنّ حضرة بهاءُالله كان قد ادّعى الألوهيّة. وهذا أمر كنت قد اطّلعت عليه من قبل، وأعرف من يروّج له من المشايخ الذين يُفترض بهم أن يتحرَّوا الحقيقة ويَدُلُّوا الناس عليها.

إنّ علاقة المبعوث الإلهي بالله الذي أرسله هي من أكثر الأمور غموضًا وجدليّة. وكنت قد أشرت في محطّات سابقة إلى أنّ التقاء هذين العالمين، أي عالم اللاهوت وعالم الناسوت، هو غيب منيع لأنّه من ذات الغيب الإلهي، وبالتالي لا يمكننا فهمه وإدراكه. وتبقى تلك الأوصاف التي أتت بها الأديان مجرّد شرح تقريبي لما يمكن أن يكون عليه هذا التواصل. وككلّ مرّة، يحدث الارتباك حين نُفسّر هذه الأمور تفسيرًا ماديًّا رغم علمنا المسبق بأنّها أمور روحانيّة. فإذا قرأنا مثلًا في سورة النور: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، هل سنعبد الشمس التي هي مصدر النُّور في عالمنا؟!

وبالنسبة لادّعاء الألوهيّة، فهذا سببه الفهم الخاطئ عن قصد أو عن غير قصد لما يعنيه "المظهر الإلهي"، وهو مصطلح وصفَ به حضرة بهاءُالله نفسه وكافّة المرسلين، موضّحًا أنّ للمظهر الإلهي مقامين فهو بمثابة صلة الوصل بين عالمين: " ولمظاهر الحقّ هؤلاء مقامان مقرّران، أوّلهما مقام صرف التّجريد وجوهر التّفريد، وفي هذا المقام لو تدعو الكلّ باسم واحد وتصفهم بوصف واحد فلا بأس في ذلك … وثانيهما مقام التّفضيل ومقام عالم الخلق ورتبة الحدودات البشريّة، ففي هذا المقام لكلّ واحد منهم هيكل معيّن، وأمر مقرّر، وظهور مقدّر، وحدود مخصوصة.  بمثل ما إنَّ كلّ واحد منهم موسوم باسم، وموصوف بوصف، ومأمور بأمر بديع، وشرع جديد … ولكن في المقام الثّاني الّذي هو مقام التّمييز والتّفضيل والتّحديد ومقام الإشارات والدّلالات الملكيّة، تظهر منهم العبوديّة الصّرفة، والفقر البحت، والفناء الباتّ كما يقول: إنّي عبد الله، وما أنا إلاّ بشر مثلكم" [5]. وهو في هذا التوضيح يؤكّد على مقام العبوديّة لله دون أيّ شك، ويُشير أيضًا إلى الحالة التي لا يمكن استيعابها وفهمها حين ينطق المظهر الإلهي بكلام الله ويكون تجليًّا له بين عباده. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المقام الفريد الذي هو من مقام الله تعالى في سورة الفتح: " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ" [6]، ونحن ندرك أنّ الله غيب منيع لا يوصف بالأوصاف فكيف تكون له يدٌ فوق أيدي المبايعين.

كان ردُّ أبي على هذا الشرح المطنب بسيطًا كعادته، فقد قال لي حينها: "اعذرني يا ابني فأنا فقط أشاركك ما وصل إلى علمي ولست مُلمًّا كما تعرف بأمور الفقه والدين، وأنا مرتاح فيما أنا عليه من تديّن فأرجو من الله أن تكون أنت كذلك". وبالنسبة لأمّي فقد استمرّت حالة الخصومة والجدال بيننا لمدّة لا بأس بها. وكم كان صعبًا هذا الامتحان علينا جميعًا، ذكّرني بمشهد الحساب في يوم القيامة: "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ" [7].

لقد كانت فترةً من أحلك الفترات، تمنّيت لو أمحوها من الوجود ومن الذكريات. اشتقت فيها لسماع صوت أمي ورؤية وجهها، اشتقت لحضنها وضمّها، اشتقت لسماع الضحكات. وعلى الرغم من صعوبة الموقف وشدّة عنادها، إلّا أنّ الزمن كان كفيلًا بأن يُعيد الأمور إلى مجاريها والصفاء إلى قلبها، واستُجيبت الدَّعوات.

واليوم قد عادت المودّة التي جمعتنا طول العمر، وصرنا نتعايش كلٌّ بما اهتدى إليه قلبه واطمأنّت له سريرته. ورغم أنّها رضيت بما أنا عليه من حال، إلّا أنّني متأكّد أنّها لا تنفكّ تدعو لي بالهداية في المآل. فهذه أمّي التي أحبَّتني أكثر من نفسها، فكيف لا ترجو لي الفوز عند الغنيّ المُتعال. أمّا أبي فقد فارقنا على حين غِرَّة وانتقل إلى الحياة الباقية، وكانت الفترة الأخيرة التي عشناها معًا من أجمل الذكريات. واليوم أشعر بوجوده إلى جانبي في كلّ ثانية يساندني في أشدّ اللحظات. وأمّا أنا فرحلتي لا تزال مستمرّة، فالامتحانات لا تنتهي والأزمات تليها انتصارات …

حين بدأت هذه الرحلة لم أكن أتخيّل حجم المهمّة وعمق المتاهة، وكنت أتساءل في كلّ مرّة: أين سأحطّ الرحال؟ ومتى ينتهي المسير؟ ولكنّي أدركت في الأخير بأنّه ليس مُهمًّا طول الزمن وبُعد المسافات. فما دام سفرنا إلى الله بعيدًا عن حدود البشر، لا يهمُّنا متى وأين ينتهي السفر.

[1]  سورة العنكبوت، الآيات: 2 ـ 3

[2]  سورة لقمان، آية 15

[3]  سورة البقرة، آية 177

[4]  سورة البقرة، آية 91

[5]  الإيقان، ص 127-150 

[6]  سورة الفتح، آية 10

[7]  سورة عبس، الآيات: 34 ـ 37

20201210_191900.jpg
00:00 / 13:17
في عالم مضطرب يبحث له عن هويّة، كثُر الهدم والدمار وتعالت أصوات القتل في كلّ مكان. هذا ليس من ديني وهذا ليس من شيعتي، هذا ليس من قومي وهذا ليس من أمّتي، أنتم! نحن! هم! ... فوضى من الهويّات، كلّ واحدة منها تدّعي الأفضليّة. وسط هذا المشهد المظلم الكئيب وقفت وتساءلت: أليس من شيء يجمعنا، يوحّدنا كي نتعايش في أمان؟ كي لا نتقاتل باسم ... 
project_20201209_1909515-01.png