جنّة الإيمانالمحطّة التاسعة
00:00 / 29:19
 

جنّة الإيمان

الثالث من شهر مارس/آذار سنة 2004م ... إنّه الموعد الذي تَمّ تحديده لمُناقشة رسالة الدكتوراه وتأدية قسم الطبيب. كانت تفصلني عن تلك اللحظة الاستثنائيّة بضعة أيّام فقط، ولم يتبقّ لي سوى بعض التفاصيل الصغيرة لإتمام كلّ شيء. في هذه الأثناء التقيت كالعادة بصديقي، فسألني إن كان من أمر يستطيع القيام به لمساعدتي. شكرته على لطفه، وقلت له بأنّ كلّ شيء على ما يرام. ثم سألني من جديد:

  • أين وصلت في بحثك وتحرّيك للحقيقة؟

  • فقلت مبتسما: لقد زالت كلّ الشكوك!

  • ماذا تقصد؟!

  • لقد آمنت بالذي آمنت به!

  • ماذا؟! هل أنت متأكّد؟

 

كم كانت الدهشة بادية عليه!! أظنّه حينها لم يستوعب كيف يُقدم شابٌّ في مثل سني ومن أسرة محافظة على اعتناق دين جديد، مخالفًا بذلك كلّ العادات والتقاليد. لذلك استدرك مُسرعا:

  • لا تستعجل في أخذ القرار! عليك التفكير مليًّا قبل الإقدام على خطوة كهذه.

  • أتعتقد أنّني سأتسرّع في شيء مصيري بهذا الحجم؟! لقد أخذت وقتًا كافيًا، وأظنّ أنّي آمنت منذ البداية، لكنّني كنت بحاجة إلى أن أستكشف بعض الأمور المبهمة. والآن قلت في نفسي: إنّها ساعة الحقيقة، فلتكن حياتي كطبيب حياةً بهائيّة. هذا كلّ ما في الأمر!

كانت تلك الأيّام التي أخذت فيها أصعب قرار في حياتي وعقدت العزم على المضيّ قدُمًا، تسمّى بِـ "أيّام الهاء" وكانت مكتملة في تلك السنة الكبيسة، أي خمسة أيّام كما هو الحساب العددي لحرف الهاء. وهي أيّامٌ ذات دلالة عظيمة، فهي تمثّل أيّام الله التي تسبق شهر الصيام، ولا تدخل في أي شهر من الشهور التسعة عشر في التقويم البديع الذي سنّه حضرة الباب. طبعًا لم أكن حينها أدرك كلّ هذه الأمور، ولكنّها كانت صدفة جميلة زادت من سكينتي ومن سعادتي التي لا توصف. وبما أنّ هذه الأيّام هي أيضًا أيّامُ جُودٍ وعطاء، فقد حظيت بدعوة من عائلة صديقي على شرف هذا الانضمام، حضره ثُلّة من أفراد الجامعة البهائيّة (المجتمع البهائي) في مدينة الرباط، وكان لقاءً بين الأحبّاء رغم أنّهم أُناس لم يسبق لي أن التقيت بهم.

وجاء اليوم الموعود والساعة المنتظرة، وناقشت رسالة الدكتوراه في الطب والتي شهدت حضور جَمّ غفير من العائلة والأصدقاء وأولئك الذين صاروا في مقام الأحبّاء. وقد أغدق عليّ أستاذي المشرف على البحث بعظيم الثناء، ووافقه الرأي باقي أعضاء اللجنة من الأساتذة الأجِلَّاء. وأديت القسم عند غروب شمس اليوم الثالث من شهر مارس وهو ثاني أيام الصيام في ذلك العام، وبالطبع كنت من الصائمين. كانت الأحداث متسارعة والمشاعر مختلطة، وكنت كمن يعيش في حلم جميل، لا يريد أن يصحو منه، ويتمنّى لو أنّ ليله طويل. ونظرت إلى والديَّ بحُبٍّ فرأيت دموعًا تسيل، وفخرًا واعتزازًا ليس لهما مثيل. كانت لحظة من أروع الذكريات في حياتي وكأنّها ساعة ولادة جديدة.

أمضيت بعد ذلك فترة من الهدوء والراحة تمكّنت فيها من قراءة الآثار الكتابيّة البهائيّة والتعمّق فيها، ومعرفة هذا الجزء المخفي من تاريخ البشريّة بأدقّ تفاصيله. لكنّ سؤالًا ظلّ يراودني: لقد ساعدني كثيرًا ما يوجد في القرآن والأثر الإسلامي من آيات وبشارات بقيت مكنونة لا يمسُّها إلا المطهّرون الذين اصطفاهم الله لرسالاته، فكيف يكون حال الآخرين، أولئك الذين لا يقرؤون القرآن المُبِين، ويجهلون ما أخبرنا به خاتمُ النبيّين؟ ثُمّ قلت في نفسي: بما أنّ المسيح حدّث أصحابه عن عودته، فمن المفترض أن المسيحيّين لديهم ما يدُلُّ عليه من بشارات ونبوءات تفوق ما عند غيرهم؟! فبدأت أبحث في الموضوع، وكم كانت دهشتي كبيرة حين اكتشفت كمَّ الآيات التي تُشير إلى اليوم والزمان، والاسم والمكان، ولا تترك صغيرة.

في بداية القرن التاسع عشر كانت هناك موجة متصاعدة في الغرب المسيحي تبشّر باقتراب عودة المسيح استنادًا لما كان متداولًا حينها من تفسيرات لنُبُوءَات العهدين القديم والجديد. وقد كانت سنة 1844م محطّ اهتمام الانجيليّين والمبشّرين الذين اهتدوا من خلال دراستهم للكتاب المقدّس، وما يحتوي عليه من حسابات زمنيّة معروفة لديهم، إلى هذه السنة بالضبط [1]. فمرّت السنة المنتظرة مرور الكرام، دون حدوث شيء يشدّ الاهتمام، كنزول المسيح مثلًا من فوق الغمام. ثمّ أصيب الكثيرون بإحباط شديد، وفقدوا إيمانهم وثقتهم في عقيدتهم، وتفرّقوا فيما بينهم، وصارت القصّة كلّها أضغاث أحلام.

كنت أحدّق في السَّنة المذكورة وأنا مندهش غاية الاندهاش، فقد أصبحت سنةً مألوفة عندي. وأخذت أعمّق البحث بشوق ولهفة في هذه الإشارات من الكتاب المقدّس التي دلّتهم على هذا الزمان، وأنا أردّد في نفسي مستغربًا كيف خَفِيَت علينا كلُّ هذه العلامات؟! وساعدني في بحثي كتاب باللغة الإنجليزيّة [2]، مترجم إلى الفرنسيّة، بعنوان: " Voleur dans la nuit". وهو كتابٌ يحكي تفاصيل القصّة التي حيّرت الباحثين في الغرب حول مدلول هذه السَّنة، وما الذي كان يُفترض أن يحدث فيها، فيأتي على ذكر معظم النبوّات التي يختزنها الكتاب المقدّس في مسألة عودة المسيح. وقد أشار صاحب الكتاب إلى أن المسلمين كانوا بدورهم ينتظرون قدوم سنة 1260ه بفارغ الصبر، وهي السنة نفسها في التقويم الميلادي (1844)، مُستَدِلًّا بمُراسلة [3] بُعثت من مدينة طنجة المغربيّة، في يونيو من العام 1844م، ونُشرت في الصحف آنذاك. وهذه ترجمة ما جاء في نصّ الرسالة: " يبدو أنّ المغاربة (المسلمين) كان لديهم دائمًا حدس لما سيقع في هذا العام. وحثّوا بعضهم البعض لفترة طويلة على توخّي الحذر من عام 1260 الذي، وفقًا لحساباتنا، هو العام الحالي".

من جهة أخرى، يذكر الكتاب المقدّس وجوب تَحقُّق بِضعَة شروط قبل عودة المسيح، مثل انتشار الإنجيل في ربوع الأرض وعودة بني إسرائيل إلى أورشليم (القدس). فإذا كان الشرط الأوّل تَحقَّق منذ مطلع القرن التاسع عشر، فإنّ الشرط الثاني لم يكن ممكنًا قبل سنة 1844م. ففي هذه السنة بالضبط وقَّع العثمانيّون، بضغط من الدول الغربيّة، على ما سُمّي آنذاك بِـ "مرسوم التسامح" [4][5] الذي يُمكّن غير المسلمين من التواجد في المناطق التابعة للحُكم العثماني، ويَضمن أمنهم وسلامتهم. فكانت هذه أوّل مرّة يُسمح فيها لليهود بدخول المدينة المقدّسة بعد طردهم منها، بداية على يد الإمبراطور الروماني تتيس في العام 70 بعد الميلاد، وخصوصًا في عهد الإمبراطور أدريان سنة 132م حين تَمّ تدمير المدينة القديمة وتشييد مدينة جديدة على شرفه، فكان حينها دخول اليهودي إلى القدس جريمة يُعاقَب عليها بالموت. فهل كان إعلان دعوة "الباب" في هذه السنة بالضبط مجرّد صُدفة عابرة؟

"في العام 1844، استحوذت روح جديدة على الأدب والموسيقى والفنون والتعليم والطب والاختراع. وحول هذا العام بالضبط تمحورت جميع النبوءات. فهل يجب علينا الانتظار ثلاثة قرون لمعرفة حقيقة مجيئه الثاني، كما كان علينا أن نفعل لمعرفة حقيقة مجيئه الأول؟"، يتساءل الباحث ويليام سيرز في كتابه الفريد.

وبالإضافة إلى زمن الظهور، يورد الباحث عددًا من النبوءات حول الاسم والمكان، بل الأمكنة التي يمرُّ منها المسيح حين عودته، وعن جبل الكرمل وبهجته، يوم يمشي المسيح فوق تُربته. فيقول في كتابه هذا: " لقد أصبحت مهمّتي أكثر تعقيدًا ثلاث مرّات عندما أدركت أنّه كان من المأمول أن يكون مسيحيًّا في الغرب، وهندوسيًّا في الهند، وبوذيًّا في الصين، ويهوديًّا في إسرائيل، ومسلمًا عند العرب، وزرادشتيا في بلاد فارس". ثُمّ يُضيف: " كلّ المؤشّرات كانت تدلّ بوضوح أنّه كان عليَّ البحث عن شخص يحمل اسمًا مختلفًا … ". وبعد ذلك يستدلّ بمجموعة من النبوءات التي نزلت في أحداث آخر الزمان:

  • "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ" [6]؛

  • "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" [7]؛

  • "قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. لأَنَّهُ هَا هِيَ الظُّلْمَةُ تُغَطِّي الأَرْضَ وَالظَّلاَمُ الدَّامِسُ الأُمَمَ. أَمَّا عَلَيْكِ فَيُشْرِقُ الرَّبُّ، وَمَجْدُهُ عَلَيْكِ يُرَى. فَتَسِيرُ الأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ" [8]؛

  • "تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ. يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ. بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ. هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا" [9].

جبل الكرمل بحيفا في القرن 19 [10]

مرقد حضرة الباب على جبل الكرمل [10]

الحدائق البهائيّة بحيفا (جبل الكرمل) مسجلة كموقع تراث إنساني لدى UNESCO

لم أكن بحاجة إلى كلُّ هذه الإشارات كي أتّخذ قراري، فلم أطّلع عليها إلّا بعد إيماني، ولكنّها كانت كالبلسم على قلبي فزادت من إيقاني. وكلّما قرأت جزءًا منها تعجّبت لهذا النُّكرانِ، فأجابني الكاتب بآية من الإنجيل هي أشبه بما نزل في القرآنِ، عن قوم صُمٍّ، بُكمٍ، وعُميانِ. وتذكّرت كذلك ما نزل في سورة الحديد: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ" [11]. ففهمت حينها أنّ الإيمان له علاقة مباشرة بالقلب وتأثّره بالكلمة الإلهيّة وليس بالنبوءات التي قد نختلف في تفسيرها أو بِـ "المُعجزات" التي يصعب علينا فهمها ولا يمكن للعقل تصديقها بالشكل الذي تَمّ وصفُها به في الديانات السابقة. وهذا ما تُشير إليه الآية الكريمة: " فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" [12].

فمن يبحث عن الحقّ لن يجده بين السطور، والجدال في المتشابهات من الأمور، بل فيما تطمئنُّ له النفوس والقلوب، كما أخبرنا علّام الغيوب: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [13]، وقوله في سورة الفجر: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي" [14].

لقد كان شعوري حقًّا كمن يرجع إلى الله بعد طول غياب، وما أحلى الرجوع إليه. إنّها جنّة الإيمان التي يدخلُها كلُّ من شرب كأس البيان من يديه …

أظنّ أنّ خير دليل على صدق الرسالة هو، من جهة، قدرتها على البقاء والانتشار رغم المعارضة الشديدة والتعذيب والاحتقار، ومن جهة أخرى ما تحمله من دعوة للخير والإصلاح تهدي به الناس إلى طريق الفلاح. فقد جاء في سورة يونس: " أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى، فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" [15]. وجاء في سورة إبراهيم: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ" [16].

إنّه الكلام نفسه الذي أجاب به المسيح حواريّيه حين حذّرهم من الرُّسُل الكاذبين، فسألوه كيف نعرفهم، فقال لهم: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" [17].

والتاريخ يُقدّم أمثلة لا تحصى عن كيفيّة إيقاظ هذه المظاهر المقدّسة لقُدُرات شُعوبٍ بأكملها حتى تحبّ، وتسامح، وتبدع، وتتحلّى بجرأة عالية، وتتغلّب على التعصّب، وتضحّي من أجل خير العموم، وتهذّب اندفاع الغرائز البشريّة الأساسيّة. هذه الإنجازات يُمكن تعريفها بوصفها التراث الروحي المشترك للجنس البشري. وحضرة بهاءُالله باعتباره الأحدث في سلسلة الرُّسُل الموحى إليهم، الذين يقومون بهداية البشر من عصر إلى آخر، قد أعلن أنّ البشريّة اليوم تقترب من مرحلة نضجها التي طال انتظارها: الوحدة والاتّحاد في النَّظْم الاجتماعي على مستوى العالم. إنّه يُقدّم رؤية عن وحدة الجنس البشري، وإطارًا أخلاقيًّا، وتعاليمَ تقوم على أساس انسجام وتوافق العلم والدين، وتتناول مشاكل اليوم بصورة مباشرة، وتُبيّن الطريق إلى المرحلة التالية من التطوّر الاجتماعي البشري. [18]

إنّه يُقدّم لشعوب العالم أمرًا يجلب الوحدة والاتحاد ويتّفق مع فهمنا العلمي للواقع، ويدعونا إلى الاعتراف بإنسانيّتنا المشتركة، وأن نرى أنفسنا أعضاءً في أسرة واحدة، وأن نضع نهاية للتباعد والتعصّب، وأن نتقارب ونتواصل معًا. بهذا يمكن لجميع الشعوب وكافّة الفئات الاجتماعيّة أن تكون أطرافًا فاعلة في تشكيل مستقبلها، ومن ثَمّ في بناء حضارة عالميّة عادلة سلميّة في نهاية المطاف.

إنّ ظهور حضرة بهاءُالله كان بمثابة النفحة التي سرت في عالم الوجود فغيَّرت معالمه وجعلت له آفاقًا بلا حدود. وكانت كلماته دواء لأوجاع هذا العصر الموعود، فنزل من يراعه خلال سنوات نفيه وسجنه ما يعادل مئة مجلد من الآيات والبيّنات:

  • "كان سبيل الكلّ إلى ذات القدم مسدودًا وسيكون طريق الكلّ مقطوعًا، فأظهر الله بمحض الفضل والعناية من بين الناس شموسًا مشرقة من أفق الأحديّة واعتبر عرفان هذه النفوس المقدّسة هو عرفان ذاته." [19]

  • " وهذه المرايا القُدسيّة ومَطالِعُ الهُويّة تحكي بتَمَامِها عن شَمس الوجود وجَوهَر المقصُود. فمثلا علمهم من علمه، وقُدرتهم من قُدرته، وسَلْطَنَتُهم من سَلطَنته، وجَمَالُهم من جماله، وظُهُورهم من ظهوره … " [20]

  • " يا أهلَ العَالم كُلُّكُمْ أَثْمَارُ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَوْرَاقُ غُصْنٍ وَاحِدٍ أن اسلكوا سلوكاً في غاية المحبّة والاتّحاد والمودّة والاتّفاق قَسَمًا بشمس الحقيقة إنّ نور الاتّفاق يُنير الآفاق". [21]

  • "يُعْتَبَرُ الْعَالَمُ فِي الْحَقِيقَةِ وَطَنًا وَاحِدًا وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ أَهْلُهُ." [22]

  • "يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الصَّفَاءِ وَالْوَفَاءِ أَنْ يُعَاشِرُوا جَمِيعَ أَهْلِ العَالَمِ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ لأَنَّ الْمُعَاشَرَةَ لَمْ تَزَلْ وَلاَ تَزَالُ سَبَبَ الاتِّحَادِ وَالاتِّفَاقِ وَهُمَا سَبَبَا نِظَامِ الْعَالَمِ وَحَيَاةِ الأُمَمِ". [23]

  • "يا عُلَمَاءَ الأُمَم غُضُّوا الأَعْيُنَ عَنِ التَّجَانُبِ وَالابْتِعَادِ وَانْظُرُوا إِلَى التَّقَارُبِ وَالاتِّحَادِ. وَتَمَسَّكُوا بِالأَسْبَابِ الَّتِي تَوجبُ الرَّاحَةَ وَالاطْمِئْنَانَ لِعُمُومِ أَهْلِ الإِمْكَانِ". [24]

  • "انْظُرْ إِلَى الإِنْسَانِ بِمَثَابَةِ مَعْدِنٍ يَحْوِي أَحْجَارًا كَرِيمَةً تَخْرُجُ بِالتَّرْبِيَةِ جَوَاهِرُهُ إِلَى عَرْصَةِ الشُّهُودِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا الْعَالَمُ الإِنْسَانِيُّ". [25]

  • "الْعِلْمُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَنَاحِ لِلْوُجُودِ وَمِرْقَاةٌ لِلصُّعُودِ. تَحْصِيلُهُ وُاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ." [26]

  • "هَذَا دِينُ الله مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ." [27]

 

وهكذا زادت معرفتي بهذه الرسالة الإلهيّة مع مرور الأيّام، وبدأت أكتشف تِباعًا تلك الجواهر المكنوزة فيها. ثُمّ أحسست فجأة أنّ هنالك مسؤوليّة ملقاة على عاتقي، فهذه الهدايات يجب أن يعرفها كلُّ الناس ويُدركوا أهمّيتها في حياتهم.

لقد فهمت ما يكفي من الأمور وصار لا بُدّ من إعلام عائلتي بما وصل إلى علمي من نبأ عظيم. أخبرت والدتي، وكان أبي يقف إلى جوارها. كنت في غاية السعادة والحماسة، وصرت أحكي كيف وصلت إلى هذه المحطّة بعد رحلةِ بحثٍ طويلة. فجاءني الردّ بسرعة … وكان ردًّا ثقيلًا!

 

[1]  The Spirit of Prophecy, volume 4, p 291-292

[2]  Thief in the Night: “The Case of the Missing Millennium” by William Sears

[3]  “A Practical Guide to the Prophecies” by Bickersteth

[4]  “Miracle of the Ages” by Worth Smith

[5] Thief in the Night: “The Case of the Missing Millennium” by William Sears

[6]  سفر الرؤيا أو القيامة 3: 12

[7]  متى 16: 27

[8]  سفر إشعياء 60: 1-3

[9]  سفر إشعياء 35: 1-2

[10]  https://media.bahai.org

[11]  سورة الحديد، آية 16

[12]  سورة الحج، آية 46

[13]  سورة الرعد، آية 28

[14]  سورة الفجر، الآيات: 27 ـ 30

[15]  سورة يونس، آية 35

[16]  سورة إبراهيم، الآيات: 24 ـ 27

[17]  إنجيل متى 7: 16-20

[18]  https://www.bahai.org

[19]  منتخبات من آثار حضرة بهاء الله رقم 21، معرّب

[20]  كتاب الإيقان ص 82ـ83، معرّب

[21]  منتخبات من آثار حضرة بهاء الله رقم 132، معرّب

[22]  لوح مقصود، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله (نزلت بعد كتاب الأقدس) ص 148، معرّب

[23]  لوح الطِّرازات، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله ص 52، معرّب

[24]  الكلمات الفردوسيّة، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله ص 86، معرّب

[25]  لوح مقصود، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله ص 142، معرّب

[26]  لوح التّجلّيات، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله ص 69، معرّب

[27]  الكتاب الأقدس: ق 182، ص 107

OverPage-0 (15).png
00:00 / 21:26
كنت في الثانية عشرة من عمري حين راودني حلمٌ غريب. أذكر ما رأيته في تلك الليلة كما أذكر يومي هذا: حلمت أنّنا مجتمعون في بيت قديم، أنا وأبي وأمي وكل أفراد العائلة الكبيرة، وكان على الباب حارسان يقفان وكأنّنا محتجزون. وفجأة ظهر نورٌ عظيم أضاء البيت بشدّة، وصاح الحارسان لقد جاء رسول الله. ثم دخل علينا رجل بلباس أبيض يُحيط به ذلك النور وكأنّه يشعُّ منه، وراح ...
project_20201209_1909515-01.png